الشيخ محمد علي طه الدرة

602

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

وهو معدوم في هذا الزّمن ؛ الذي فسد أهله ، وصاروا خلّا ودودا ، كما قال القائل : [ الوافر ] سألت النّاس عن خلّ ودود * فقالوا : النّاس من خلّ ودود فقلت : أليس فيهم ذو وفاء ؟ * فقالوا : كان ذلك في الجدود احفظ البيتين ، ولا تنس ما فيهما من الجناس التام ، لذا فإنه لا وجود للصديق بالمعنى الحقيقي ، بل صار وجوده مستحيلا ، كما قال : [ الكامل ] قد قيل : إنّ المستحيل ثلاثة * ألغول والعنقاء والخلّ الوفي وقال الآخر : [ الوافر ] سألت النّاس عن خلّ وفيّ * فقالوا ما إلى هذا سبيل تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ * فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل وممّا هو جدير بالذكر : أنّ كل صداقة لا تكون على أساس من التّقوى تنقلب عداوة في الدنيا والآخرة ، خذ قوله تعالى في سورة ( الزخرف ) : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ وانظر نتيجة صداقة إبليس اللّعين في سورة ( إبراهيم ) رقم [ 22 ] وفي سورة ( ق ) أيضا . وفي مصنّف أبي داود عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - : أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الرّجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » ولقد أحسن من قال : [ السريع ] من لم تكن في اللّه خلّته * فخليله منه على خطر وَلا شَفاعَةٌ أي : ولا يقبل منها شفاعة ، كما في الآية رقم [ 48 ] . والشّفاعة : التوسّل ، وابتغاء الخير ، والذي يكون منه التوسّل يسمّى الشّفيع ، والشفاعة في الدّنيا تكون حسنة ، وتكون سيئة ، فالأولى هي التي روعي فيها حقّ مسلم ، أو دفع بها عنه شر ، أو جلب إليه خير ، وابتغي بها وجه اللّه ، ولم تؤخذ عليها رشوة ، وكانت في أمر جائز ، لا في حدّ من الحدود ، ولا في حق من حقوق العباد ، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك ، وقيل : الشفاعة الحسنة هي الدّعوة للمسلم ؛ لأنّها بمعنى الشّفاعة إلى اللّه تعالى ، فعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من دعا لأخيه بظهر الغيب ، استجيب له ، وقال له الملك : ولك مثل ذلك » فذلك النصيب الذي ذكر اللّه بقوله : مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها رقم [ 85 ] من سورة ( النساء ) ، وروى مسلم عن أمّ الدّرداء - رضي اللّه عنهما - ، قالت : حدّثني سيّدي : أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا دعا الرّجل لأخيه بظهر الغيب . قالت الملائكة : ولك بمثله » . ولا ريب : أنّ المراد بالشفاعة في هذه الآية الشّفاعة يوم القيامة ، والشّفاعة العظمى مختصة بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ يتلوها شفاعات أخر ، كما هو معلوم من الدين ، وأحكامه ، وهو مذهب أهل الحقّ ، والسّنّة ، والجماعة .